ابن كثير

290

البداية والنهاية

وحكى نفطويه أن جريرا دخل يوما على بشر بن مروان وعنده الأخطل ، فقال بشر لجرير : أتعرف هذا ؟ قال : لا ، ومن هذا أيها الأمير ؟ فقال : هذا الأخطل ، فقال الأخطل ، أنا الذي قذفت عرضك ، وأسهرت ليلك ، وآذيت قومك ، فقال جرير : أما قولك شتمت عرضك فما ضر البحر أن يشتمه من غرق فيه ، وأما قولك وأسهرت ليلك ، فلو تركتني أنام لكان خيرا لك ، وأما قولك وآذيت قومك فكيف تؤذي قوما أنت تؤدي الجزية إليهم ؟ وكان الأخطل من نصارى العرب المتنصرة ، قبحه الله وأبعد مثواه ، وهو الذي أنشد بشر بن مروان قصيدته التي يقول فيها : قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق وهذا البيت تستدل به الجهمية على أن الاستواء على العرش بمعني الاستيلاء ، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه ، وليس في بيت هذا النصراني حجة ولا دليل على ذلك ، ولا أراد الله عز وجل باستوائه على عرشه استيلاءه عليه ، تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا . فإنه إنما يقال استوى على الشئ إذ كان ذلك الشئ عاصيا عليه قبل استيلائه عليه ، كاستيلاء بشر على العراق ، واستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه ، وعرش الرب لم يكن ممتنعا عليه نفسا واحدا ، حتى يقال استوى عليه ، أو معنى الاستواء الاستيلاء ، ولا تجد أضعف من حجج الجهمية ، حتى أداهم الافلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجة والله أعلم . وقال الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال : لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء فمكثوا ببابه أياما لا يؤذن لهم ولا يلتفت إليهم ، فساءهم ذلك وهموا بالرجوع إلى بلادهم ، فمر بهم رجاء بن حياة فقال له جرير : - يا أيها الرجل المرخي عمامته * هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا فدخل ولم يذكر لعمر بن أمرهم شيئا ، فمر بهم عدي بن أرطأة فقال له جرير منشدا : يا أيها الراكب المرخي مطيته * هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه * أني لدى الباب كالمصفود في قرن لا تنس حاجتنا لا قيت مغفرة * قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني فدخل عدي على عمر بن عبد العزيز فقال : يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة ، فقال : ويحك يا عدي ، مالي وللشعراء ، فقال : يا أمير المؤمنين إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد كان يسمع الشعر ويجزي عليه ، وقد أنشده العباس بن مرداس مدحه فأعطاه حلة ، فقال له عمر : أتروي منها شيئا ؟ قال : نعم فأنشده : - رأيتك يا خير البرية كلها * نشرت كتابا جاء بالحق معلما